أحمد زكي صفوت
229
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
ويسوّس الجنب « 1 » ، فإنكم لم تخلقوا عبثا ، ولم تتركوا سدى ، ويحكم ! إني لست أتاويّا « 2 » أعلّم ، ولا بدويّا أفهّم ، قد حلبتكم أشطرا « 3 » ، وقلّبتكم أبطنا وأظهرا ، فعرفت أنحاءكم وأهواءكم ، وعلمت أن قوما أظهروا الإسلام بألسنتهم ، وأسرّوا الكفر في قلوبهم ، فضربوا بعض أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببعض ، وولّدوا الروايات فيهم ، وضربوا الأمثال ، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أبنائهم أعوانا يأذنون لهم « 4 » ، ويصغون إليهم ، مهلا مهلا قبل وقوع القوارع « 5 » ، وطول الروائع ، هذا لهذا ومع هذا « 6 » ، فلست أعتنش « 7 » آئبا ولا تائبا ، « عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ » ، فأسرّوا خيرا وأظهروه ، واجهروا به وأخلصوه ، فطالما مشيتم القهقرى ناكصين ، وليعلم من أدبر وأصرّ أنها موعظة بين يدي نقمة ، ولست أدعوكم إلى أهواء تتّبع ، ولا إلى رأى يبتدع ، إنما أدعوكم إلى الطريقة المثلي ، التي فيها خير الآخرة والأولى ، فمن أجاب فإلى رشده ، ومن عمى فعن قصده ، فهلمّ إلى الشرائع الجدائع « 8 » ، ولا تولّوا عن سبيل المؤمنين ، ولا تستبدلوا
--> ( 1 ) باح السر : ظهر ، وباح بسره : أظهره ووضح يضح واتضح واحد ، ويسوس : أي يروض ويذلل : مضعف ساسه يسوسه . يقال : سوست له أمرا إذا روضته وذللته ، والجنب : الصعب الذي لا ينقاد . ( 2 ) الأتاوى : الغريب عن القوم . ( 3 ) اقتبسه من المثل المشهور : « حلب الدهر أشطره » والناقة شطران ، قادمان وآخران ، فكل خلفين شطر بفتح الشين - والخلف للناقة كالضرع البقرة - وأشطره منصوب على البدل ، فكأنه قال : حلب أشطر الدهر ، والمعنى : اختبر الدهر وعرف خيره وشره ( 4 ) أذن له وإليه كفرح : استمع . ( 5 ) القوارع جمع قارعة : وهي الداهية الفاجئة ، والروائع جمع رائعة ، وهي المفزعة . ( 6 ) أي هذا الذي أتهددكم به من القوارع والروائع ، لهذا الذي تخوضون فيه ، ومقرون به . ( 7 ) اعتنشه : ظلمه . ( 8 ) الذي في كتب اللغة : « جداع كسحاب وقطام : السنة الشديدة تجدع بالمال وتذهب به » وهذه الكلمة هي التي يسوغ أن تجمع على جدائع ، ولكنها لا تناسب المقام هنا ، فلعل الأصل « الجوادع » جمع جادعة : وهي القاطمة ، يريد الشرائع الصحيحة الحقة لأنها تقطع الباطل وتزهقه كأنه يقول : اتبعوا الخطة الحاسمة ، أو الجدائع جمع جدوع كعجوز صيغة مبالغة من جادعة ، وفي التعليق على نهاية الأرب « ولعله الجوامع : أي التي تجمع الناس على اتباعها ، كما يدل عليه ما بعده » .